الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

278

مناهل العرفان في علوم القرآن

ثم كيف يكون القرآن متواترا ، مع ما يروى أيضا عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد عثمان ما نصه : « فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها ، لم أجدها مع أحد إلّا مع خزيمة بن ثابت الأنصارىّ الذي جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم شهادته بشهادة رجلين : « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ » ؟ [ والجواب على هذه الشبهة ] ( أولا ) أن كلام زيد بن ثابت هذا ، لا يبطل التواتر . وبيان ذلك أن الآيتين ختام سورة التوبة ، لم تثبت قرآنيتهما بقول أبى خزيمة وحده . بل ثبتت بأخبار كثرة غامرة من الصحابة عن حفظهم في صدورهم ، وإن لم يكونوا كتبوه في أوراقهم . ومعنى قول زيد : « حتى وجدت من سورة التوبة آيتين لم أجدهما عند غيره » أنه لم يجد الآيتين اللتين هما ختام سورة التوبة مكتوبتين عند أحد إلا عند أبي خزيمة ، فالذي انفرد به أبو خزيمة هو كتابتهما لا حفظهما ، وليست الكتابة شرطا في المتواتر ، بل المشروط فيه أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب ولو لم يكتبه واحد منهم ، فكتابة أبى خزيمة الأنصاري كانت توثقا واحتياطا فوق ما يطلبه التواتر ويقتضيه ، فكيف نقدح في التواتر بانفراده بها ؟ ! ( ثانيا ) يقال مثل ذلك فيما روى عن زيد في آية سورة الأحزاب : « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ » فإن معناه أن زيدا لم يجدها مكتوبة عند أحد إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري . ويدلّ على أن هذا هو المعنى الذي أراده زيد بعبارته تلك ، قول زيد نفسه فقدت آية من سورة الأحزاب الخ ، فإن تعبيره بلفظ « فقدت » يشعر بأنه كان يحفظ هذه الآية ، وأنها كانت معروفة له ، غير أنه فقد مكتوبها ، فلم يجده إلا مع خزيمة ، وإلا فمن الذي أنبأ زيدا أنه فقد آية ؟ ( ثالثا ) أن كلام زيد فيما مضى من ختام التوبة وآية الأحزاب ، لا يدل على